ابن عطاء الله السكندري

10

اللطائف الإلهية في شرح مختارات من الحكم العطائية

وأما بعد ، فقبل أن نبدأ الحديث عن التصوّف الإسلامي ، مبينين حدّه ، واشتقاقه واستمداده ، وحكم الشّارع فيه ، ونسبته من سائر العلوم الشّرعيّة ، ومواضيع أخرى تكشف لنا عن حقيته وأهميته في حياة الفرد والمجتمع ، وعن موقعه في الموروث الحضاري الإسلامي والعالمي ، لا بد من ذكر مقدمات ذات علاقة عضوية وجوهرية بالتصوف ، تعتبر من مفردات موضوعاته ، وتشمل الحديث عن العناوين التالية : السعادة المادية والروحية ، وغاية وجود الإنسان ، والإنسان ومعرفة اللّه تعالى ، ووجوب المعرفة على كلّ مكلّف ، وأقسام المعرفة البرهانية والعيانية ؛ الكسبية والوهبية ، الشرعية والحقيقية ، وحقيقة الإنسان الخليفة الملكية والملكوتية والجبروتية ، ومبدأ الدين الإسلامي ووسطه وكماله : الإسلام والإيمان والإحسان . وأبدأ بالحديث عن السعادة المادية والسعادة الروحية قائلا : إن السعادة تنقسم إلى نوعين : الأول سعادة مادية جسدية آنية ، والثاني سعادة عقلية روحية أبدية ، وإنّ البشر يسعون جاهدين دون كلل أو نصب لتحقيق أحد هذين النوعين من السعادة . إنّ لكل إنسان هدفا يشبع من خلاله غرائزه ورغباته واحتياجاته المادية أو الروحية ، لكي يصل إلى اللذة أو السعادة التي يجدها في هذا الهدف الذي يعده غاية وجوده ، إنّ هذا الهدف المحرك للإنسان نحو غايته مركوز ، في تركيبته الجامعة للمادة والروح ، وتوجهات الإنسان ومساعيه المحققة لاحتياجات هذه التركيبة منطقية وضرورية فطرية . إنّ اللّه تعالى خالق هذه التركيبة ، لم يترك الإنسان تائها يتخبط في سيره نحو تحقيق السعادة دون دليل يسترشد به ويضيء له الطريق ، فكانت المحجة البيضاء التي لا يضل عنها إلا هالك : كتاب اللّه وسنّة النبي محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم . غاية وجود الإنسان : إنّ السعادة المادية في الإسلام مطلوبة من الإنسان على أنها من وسائل استمرار وجوده وليست غاية وجوده ، فملذات الحياة الدنيا غير مقصودة لذاتها ، بل لتساعد المؤمن في سيره نحو مقصده الأسمى اللّه تعالى ، الذي هو غاية وجوده في هذا الكون . إنّ معرفة اللّه تعالى ومعرفة وحدانيته في ذاته وصفاته وأفعاله ، هي عين السعادة الحقيقية الروحية الأبدية ، فهي غاية خلق الخلق ، قال تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( 56 ) [ الذّاريات : 56 ] . فسّر عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما « إلا